الشيخ محمد رشيد رضا
545
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( حكمة النصوص في كفر بعض أرحام الأنبياء الأقربين ) ان الذين اتخذوا استنباطهم البعيد من الروايات الضعيفة والمنكرة أصلا في إثبات إيمان آباء الرسول ( ص ) يؤوّلون لأجله الآيات الكثيرة والأحاديث الصحيحة الصريحة - قد غفلوا عن أمر عظيم وهو الحكمة والفائدة في الاكثار من التصريح بكفر والد إبراهيم في القرآن وما في معناه كقصة ابن نوح الذي أصر على كفره ، ولم يرض أن يركب السفينة مع والده وأهله ، وفي تصريح الرسول ( ص ) بما يكون من أمر إبراهيم الخليل مع والده يوم القيامة ، وتصريحه أيضا بأن أباه في النار ، وبعدم اذن اللّه تعالى له في الاستغفار لأمه ولا لعمه الذي رباه وله عليه أعظم الحقوق . ومثل ذلك فيما يظهر انزال سورة في سوء حال أبي لهب ومصيره إلى النار وهو عم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ان الحكمة البالغة والفائدة الظاهرة من هذه النصوص هي تقرير أصل التوحيد الهادم لقاعدة الوثنية بالفصل بين ما هو للّه تعالى وما هو لرسله ، وهو ان الرسل عليهم الصلاة والسّلام لم يرسلوا الا مبشرين ومنذرين ، إن عليهم الا تبليغ دين اللّه وإقامته ، وليس لهم من الامر شيء ، ولا يملكون لاحد ضرا ولا نفعا ، وليس عليهم هدى أحد ولا رشده بالفعل . وانما عليهم هداية التعليم والحجة . فلا يهدون من أحبوا ولا يغنون عنه من اللّه شيئا وان كان أقرب الناس وأحبه إليهم في النسب والمعاملة الدنيوية . وأما قاعدة وثنية العرب وغيرهم فهي اتخاذ أولياء من العباد ، يزعمون أنهم وسطاء بين اللّه وبين سائر عباده في شؤون الخلق والايجاد ، والاشقاء ، والاسعاد ، والسلب والامداد ، لا في مجرد التبليغ والارشاد ، قياسا على ما يعهدون من الأقربين والمقربين ، عند الملوك المستبدين ، فهم يدعونهم لذلك مع اللّه أو من دون اللّه ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ) وكانوا يعبرون عنهم بالأولياء والشركاء كما قال تعالى ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى ) - الآية . وكانوا يقولون في طوافهم : لبيك لا شريك لك ، الا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك . وأصل عبادة أصنامهم وأوثانهم الغلو في تعظيم الصالحين فهي مأخوذة عن قوم نوح « تفسير القرآن الحكيم » « 69 » « الجزء السابع »